السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

104

مفاتيح الأصول

العدم الثّاني أن الواو كما يكون للعطف كذا يكون لغيره فإنها تستعمل بمعنى باء الجرّ ولام التعليل كما عن الخارزنجي وغير ذلك مما هو مذكور في محلَّه ولكن الأصل الحمل على العطف إلَّا أن يقوم قرينة على إرادة غيره لأنها الغالب في استعمالها فموضع الشك يلحق به وكذلك لا يجوز حملها على معنى أو من دون قرينة وإن استعملت فيه الثالث إذا دار الأمر بين حمل الواو على العطف وعلى الاستئناف كان الأول أولى لشيوعه وغلبت وقد استقر عادة الأصوليّين على الترجيح بالغلبة مفتاح اختلف القوم في إفادة إنما الحصر على أقوال الأوّل أنها لا تفيد الحصر بل تفيد تأكيد الإثبات وهو للمحكي عن الآمدي وأبي حيان والنحويين الثاني أنها مشتركة لفظا وهو لظاهر الفيومي في المصباح المنير الثالث أنها تفيد الحصر وهو للشيخ في التهذيب والفاضلين في المعارج والتهذيب والنهاية والمبادي والطَّبرسي في مجمع البيان ونجم الأئمة في شرح الكافية والطريحي في مجمع البحرين والسّيّد عميد الدّين في المنية والرازي في المعالم والبيضاوي في المنهاج والسكاكي في المفتاح والقزويني في الإيضاح وغيرهم وحكي عن الجوهري والفيروزآبادي وبالجملة هذا هو المشهور ولهم وجوه الأول دعوى جماعة إجماع أهل اللَّغة على إفادته الحصر قال العلامة في التهذيب إنما للحصر بالنقل عن أهل اللغة وقال في النهاية قال أبو علي الفارسي إن النحاة أجمعوا عليه وصوبهم فيه ونقله وقوله حجة وقال فيه أيضا اتفق أهل اللغة على كونها موضوعة للحصر وقال الطريحي وأما إنما المتكرر في الكتاب والسّنة وكلام البلغاء فهي على ما نقل عن المحققين موضوعة للحصر عند أهل اللَّغة ولم يظفر بمخالف لذلك واستعمال العربية والشعراء والفصحاء إياها بذلك يؤيده انتهى وحكي عن الأزهري في كتاب الزّهر أنّه حكي عن أهل اللغة إنما يقتضي إيجاب شيء ونفي غيره وقال القزويني في مختصره والإيضاح تبعا للسّكاكي في المفتاح في مقام الاستدلال على إفادة إنما الحصر لتضمنه معنى ما وإلَّا لقول المفسّرين إنما حرم عليكم الميتة بالنصب معناه ما حرّم عليكم إلَّا الميتة وهذا المعنى هو المطابق للقراءة الرّفع ولقول النحاة إن إنما لإثبات ما يذكر بعده ونفي ما سواه وحكى الشيخ عن الصحابة أنهم تنازعوا في التقاء الختانين واحتج من لم ير ذلك موجبا للغسل بقوله عليه السلام إنما الماء من الماء وأجاب الآخرون بأن هذا الخبر منسوخ ويدلّ على معلومية كون إنما للحصر عند الفريقين وهم من أهل اللَّغة وحكي أيضا عن وجوه الصّحابة أنهم ناظروا ابن عباس في قوله بجواز بيع الدّرهم بالدّرهمين وأنّه أجابهم بالخبر في النسيئة وهذا يدل أيضا على معلومية كونها له لا يقال الدّعوى المذكورة موهونة بمصير جملة من الأعاظم إلى عدم إفادتها الحصر وقد تقدم إليهم الإشارة ويعضده ما حكي عن أبي حيان من نقله عن البصريين وليس فيما حكاه الشيخ عن الصّحابة وابن عبّاس دلالة على إفادتها الحصر لاحتمال أن يكون فهمهم الحصر من قوله صلى الله عليه وآله إنما الماء من الماء وقوله صلى الله عليه وآله إنما الربا في النّسيئة من جهة تعريف المسند إليه باللام فإنّه يفيد الحصر ومع ذلك يمكن أن يقال ليس فيما حكي عنهم اعتراف والجواب بنسخ الخبر دون منع الدّلالة لعلَّه من باب المماشاة مع الخصم لأنا نقول نمنع من وهن الإجماع بمجرّد مصير من تقدم إليهم الإشارة إلى الخلاف كيف وأكثر المحققين صاروا إلى القول بإفادتها الحصر ويمكن أن يجعل مثل هذه الشّهرة دليلا مستقلَّا في المسألة ونقل الخلاف عن النّحويين معارض بأقوى منه فإن ناقل القول بإفادتها الحصر عنهم أكثر عددا مع اعتضاد هذا النّقل بشواهد تدل على صدقه ولا كذلك نقل الخلاف عنهم الثاني أن إن للإثبات وما للنفي فيجب أن يكونا بعد التركيب كذلك وإلَّا لكان التّركيب مخرجا للألفاظ عن معانيها فحينئذ إمّا أن يتواردا على محلّ واحد وهو باطل لامتناع اجتماع النقيضين أو يتوجه النفي إلى المذكور والإثبات إلى غيره وهو باطل أيضا بالإجماع كما في المنتهى والنهاية وغيرهما فتعين العكس وهو المطلوب لا يقال هذا مبني على كون إنما مركبة من إنّ وما لا كلمة مستقلة برأسها وهو ممنوع لاحتمال كونها مفردة لا مركبة كسائر الألفاظ المفردة سلمنا التركيب ولكن لا نسلَّم كون ما للنفي بل هي لغيره وإليه ذهب جماعة من المحققين منهم ابن هشام في المغني والعبري في شرح ح والتفتازاني في المطول وعليّ بن عيسى الرّبعي وغيرهم ويدلّ عليه أمور منها ظهور عبارة المغني في دعوى إجماع النّحاة على بطلان كونها للنفي حيث قال وزعم جماعة من الأصوليين والبيانيين أن ما الكافة مع إن نافية وأن ذلك سبب إفادتهما الحصر ثم قال وهذا البحث مبني على مقدّمتين باطلتين بإجماع النّحويين إذ ليست إن للإثبات وإنما هي لتأكيد الكلام إثباتا كان مثل إن زيدا قائم أو نفيا نحو إن زيدا ليس بقائم وليست ما للنفي بل بمنزلتها في أخواتها ليتما ولعلَّما ولكنّما وبعضهم ينسب القول بأنها نافية للفارسي في كتاب الشيرازيات ولم يقل ذلك الفارسي في الشيرازيات ولا في غيرها ولا قاله نحويّ غيره وإنما قال الفارسي في الشيرازيات إن العرب عاملوا إنما معاملة النفي والإثبات في فصل الضمير انتهى ويؤيّده ما ادعاه عليّ بن عيسى الربعي فيما حكي عنه من أن القول بأن ما للنفي ممن لا وقوف له في النحو ومنها ما تمسّك به العبري فقال لو كانتا على حالتهما لوجب أن تكون ناصبة كما كانت قبل التركيب وليس كذلك بالاتفاق لأن ما فيها كافة ومنها ما تمسّك به في المطوّل نقول إن لا تدخل إلا على الاسم وما النافية لا تنفي إلَّا ما دخلت عليه بإجماع النحاة ومنها ما تمسّك به بعض فقال إن كونها للنفي غير ممكن لاقتضاء إن وما النّافية الصّدارة